ابن خلدون

315

رحلة ابن خلدون

ولاية الدّروس والخوانق أهل هذه الدولة التركية بمصر والشام معنيّون - على القدم منذ عهد مواليهم ملوك بني أيوب - بإنشاء المدارس لتدريس العلم ، والخوانق لإقامة رسوم الفقراء في التخلق بآداب الصوفيّة السّنيّة في مطارحة الأذكار ، ونوافل الصلوات . أخذوا ذلك عمّن قبلهم من الدوال الخلافية ، فيختطّون مبانيها ويقفون الأراضي المغلّة للإنفاق منها على طلبة العلم ، ومتدرّبي الفقراء ، وإن استفضل الريع شيئا عن ذلك ، جعلوه في أعقابهم خوفا على الذّرّية الضّعاف من العيلة . « 1434 » واقتدى بسنّتهم في ذلك من تحت أيديهم من أهل الرّياسة والثروة ، فكثرت لذلك المدارس والخوانق بمدينة القاهرة ، وأصبحت معاشا للفقراء من الفقهاء والصوفية ، وكان ذلك من محاسن هذه الدولة التركية ، وآثارها الجميلة الخالدة . « 1435 » وكنت لأوّل قدومي على القاهرة ، وحصولي في كفالة السّلطان ، شغرت مدرسة بمصر من إنشاء صلاح الدين بن أيوب ، وقفها على المالكية يتدارسون بها الفقه ، ووقف عليها أراضي من الفيّوم تغلّ القمح ، فسمّيت لذلك القمحيّة ، كما وقف أخرى على الشّافعية هنالك ، وتوفي مدرّسها حينئذ ، فولاني السّلطان تدريسها ، وأعقبه بولاية قضاء المالكية سنة ستّ وثمانين ، « 1436 » كما ذكرت ذلك من قبل ، وحضرني يوم جلوسي للتدريس فيها جماعة من أكابر الأمراء تنويها بذكري ، وعناية من السّلطان ومنهم بجانبي ، وخطبت يوم جلوسي في ذلك الحفل بخطبة ألممت فيها

--> ( 1434 ) العيلة ( بفتح العين ) : الفقر والفاقة . ( 1435 ) تحدث ابن خلدون في « المقدمة » ( ص 380 طبع بيروت ) عن الأسباب التي كانت تحدو بأمراء الترك أن يكثروا من بناء المدارس والربط والخوانق في القاهرة - بما يحسن الرجوع إليه . ( 1436 ) في « السلوك » ( 110 ب نسخة الفاتح ) سنة 786 : « وفي خامس عشرينه ( المحرم ) ، درّس شيخنا أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون بالمدرسة القمحية بمصر ، عوضا عن علم الدين البساطي بعد موته ، وحضر معه بها الأمير الطنبغا الجوباني ، والأمير يونس الدوادار ، وقضاة الأربعة والأعيان » .